اللغة العربية وعلاقتها بحفظ الدين
احتفلنا في الثامن عشر من ديسمبر باليوم العالمي للغة العربية، تزامن ذلك مع إعلان شركة أمازون أن مساعدها الصوتي "أليكسا Alexa" سيتوافر باللغة العربية من خلال أجهزتها "إيكو Echo"، وإن كانت اللهجة المستخدمة ستكون اللهجة الخليجية. في نفس السياق، وعلى هامش إقامة كأس العرب في قطر، اقترح جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "FIFA" إدراج اللغة العربية كلغة رسمية بالاتحاد. بالتأكيد هي أخبار جيدة، أليس كذلك؟ ربما، وربما ما هي إلا لفتات دعائية، لكن السؤال الأهم هو: كيف نرى نحن اللغة العربية، وما هي أهميتها؟
للإجابة عن هذا السؤال، دعونا نستعرض القدر الذي نعطيه للغة العربية في حياتنا. لغة القرآن أضحت ذات أهمية ثانوية مقارنة بتعلم اللغات الآخرى وأهمها اللغة الإنجليزية، وذلك لما يفرضه علينا النشاط الإقتصادي القائم بشكل كبير على استخدام الإنجليزية. وإن انتقلنا خارج الحدود العربية نجد المشكلة تزداد حجماً. في مقطع لمحمد صلاح لاعب كرة القدم بنادي ليفربول الإنجليزي نجد ابنته، والتي للمفارقة تدعى "مكة"، لا تستطيع التحدث بالعربية، وهو في هذا يشابه بشكل كبير حال الكثيرين من المهاجرين وبالأخص الجيل الثاني وما بعده.
إذاً ما المشكلة؟
حسناً، هل هذه مشكلة؟ قد نجد من يقول أنه لا ضرر في منح اللغات الأجنبية قدر أكبر من الاهتمام مقارنةً باللغة العربية، وهو ما سيعود بالنفع على متعلميها بالنظر إلى سوق العمل، وهم في ذلك على قدرٍ من الصواب، فمن البديهي أن يتعلم الإنسان ما قد ينفعه في حياته، الخلاف هنا أن ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن أشياء أخرى، خصوصاً إن كانت هذه ما تكون ثقافتك، والأهم هي ما تحفظ لك دينك. ولكي نستطيع فهم ذلك، فهذا المقال (رابط) لمعتز ممدوح يعرض جزءًا من كتاب لعالم الجغرافيا المصري د. جمال حمدان والذي ناقش فيه تقسيم العالم الأسلامي من وجهة نظر اللغة العربية. اقترح حمدان تقسيماً حلقياً مركزه هو ما يُعرف بالنواة، وهم الآن من يتحدثون بالعربية، وصولاً لصدى العرب والمناطق الهامشية والتي تختفي فيها اللغة العربية. الشاهد أنه كلما زاد البعد عن المركز، قل المتحدثون باللغة العربية وبناءً عليه قد تجد انحداراً في التمسك بالإسلام ومظاهره، أو على الأقل يندر الفهم الصحيح للدين . أتذكر أن صديقاً من باكستان كان يظن أن صلاة الظهر جهرية. نفس الصديق قال لي أنه يحسد العرب لقدرتهم على قراءة القرآن أثناء الصلاة، وفهم الآيات دون عناءٍ يذكر، وهو ما يتضمن الإحساس بما تقول والخشوع قدر الإمكان.
تجد الآباء حالياً مهتمين بتعليم أبنائهم للغة الأجنبية لدرجة دخولهم مدارس أجنبية، والتي في بعض الأحيان لا تعلم اللغة العربية، فما بالك بمادة الدين. هذه الظاهرة ستؤدي -حتى وإن كان دون قصد- لخروج أجيال لا تعرف أهمية اللغة العربية ولا تقدرها من الأساس، وبالتالي لا تعطي أهمية لما يرتبط بها من علوم. بالعودة قليلاً لسنوات الاستعمار، فقد علم المستعمر أن الحديث عن تغيير الدين صعب، فتحويل المسلمين -على الأقل حينها- عن الإسلام بالجدل الديني هو غير ممكن، ولذلك اتخذ منهجاً آخراً ألا وهو محاولة تغيير عادات الشعب والتجليات الاجتماعية للإسلام. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون -أو سبعون- شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وهو ما يؤكد أن الدين لا يقتصر فقط على القلب، بل يجب أن يمتد ليظهر في التعاملات الاجتماعية بما فيها -وعلى عكس النغمة السائدة- المؤسسات. وبالتالي رأي المستعمر تغيير دور المؤسسات في المجتمع، ومن سبل ذلك كان الفصل بين تعليم اللغة العربية والدين، أو حتى بدء التعليم بلغة المستعمر بدلاً من اللغة العربية. بالاستمرار على ذلك الوضع ستجد جيل ناشيء لا يستطيع الحديث باللغة العربية وبالتالي لن يعرف شيئاً عن الدين وقد يتحول عنه بالكلية.
هدف المستعمر
كما في الحديث السابق ذكره نفهم أنه بجانب الحفاظ على الدين، يجب أيضاً الحفاظ على تجالياته، أي عاداته ومظاهره، ومن ثم كان هدف المستعمر هو إفساد التجليات والنظم الاجتماعية للإسلام القائمة على استدامة شُعب الإيمان، والتي سينتج عنها ترك الدين. الآن لا يحتاج المستعمر أن يشحذ قواته ويتحرك نحو البلد التي يريد استعمارها، يكفي فقط استخدام بعض الوسائل الالكترونية سهلة الوصول لكل منزل من أجل تغييرما اعتاد الناس عليه. لنا في خدمة البث "نتفليكس Netflix" أكبر مثال فيما يتعلق بخصوص موضوع كالمثلية الجنسية. كما هو معروف فالإسلام يحرم مثل هذه الممارسات، بل ويمتد التحريم ليشمل ألا يكون الشخص موافقاً على وجود مثل هذه الممارسات. هنا جاء دور تلك الوسائل أن جعلت تلك الممارسات عادية، أو على الأقل طرحت سؤال "ما المشكلة في وجودها؟". مثل هذا هو ما تسبب في جعل محمد أبو تريكة لاعب كرة القدم المعتزل يُتهم ببث خطاب مليء بالكراهية في حديثه عن المثلية، على الرغم من أنه لم يتحدث سوى عن شجب الاحتفاء أو الترويج لمثل هذه الممارسات في الداخل الإسلامي، والتي -كما سبق ذكره- محرمة نصاً في الدين، لكن وسائل كنتفليكس طرحت أسئلة جعلت المسلم -والذي هو بالأساس لم يعد ملماً بعلوم دينه أو بأساسياته نظراً لضعف لغته وبالتالي تعليمه الديني- متفق مع مثل هذه الممارسات بل ويروج لها ويهاجم من يهاجم الاحتفاء بها.
أعلم أن طرحاً كهذا قد يوصف اليوم بالتطرف، لكن بالنظر للصورة الكاملة، أو على الأقل ما حدث في خلال العشرين عام الماضية -وهي ثلثا سنوات عمري التي أعتقد أنني شاهدت فيها كماً من التغيرات تجعلني قادراً على كتابة هذا المقال- يدل على أن التغير قد حدث بالفعل. ربما أصبحت اللغة العربية غير مطلوبة في سوق العمل، لكن التمسك بها هو لغاية أهم من الأهداف الدنيوية، فحفظها هو من حفظ الدين. ربما من أجل ذلك فقط أكتب.
*كتبت هذا المقال بعد مشاهدتي للمحاضرة الرابعة من دورة تأسيس وعي المسلم المعاصر للمهندس أيمن عبد الرحيم -فك الله أسره-، ولذلك فالتشابه كبير إلى حدٍ ما، لكن بالتأكيد ستجد الكثير من المعلومات التي صيغت بشكل أفضل بكثير أثناء متابعتك لتلك الدورة، لذلك يُنصح بمشاهدتها.

Comments
Post a Comment