أخلاق للبيع


عظيمة هي القصة التي كتبها يوسف السباعي وجسّد بطولتها فؤاد المهندس , فـ هي قصة من الممكن أن تُروى في مختلف الأزمان والأماكن , لكن ما يحزن فيها هو توقيتها , فـ الحديث عن انعدام الأخلاق أواخر الستينات يجبرنا على التصارح مع النفس والتساؤل : أي مشكلة تلك التي وضعنا فيها أنفسنا ؟

تخيل لو كان السباعي بيننا , ما الذي كان سـ يكتبه ؟ كيف سـ يحاول مداوة زمنٍ أصبح فيه العيب مباح إن مارسه أكثر من شخص - فـ في مصر فقط استباحة العيب تتناسب طردياً مع عدد الأشخاص الممارسين له – ؟ وربما لـ هذا السبب خرج المثل القائل : " إن خرج العيب من أهل العيب ميبقاش عيب " فـ المصريين - حتى وإن كانت غاية المثل في الأساس الذم – نقذوه بـ حذافيره كما لو كان مدحاً !

أكان يعاني السباعي من قلة الشجاعة في زمنه ؟ ماذا عن شبابٍ تلخصت شجاعتهم في تحرشٍ يرونه وكـ أنه وسام على صدرهم ؟ سلوك أصبح – بـ تفكيرهم - واجب على كل شاب يرى ما يثيره في الشارع فـ ينطلق لـ يتدخل محاولاً إقناع نفسه بـ أن " من رأي منكم منكراً فـ لـ يغيّره بـ يده " , هذا إن كان ما يراه أمامه منكراً من الأساس ..

وماذا عن الذكاء ؟ بـ التأكيد كان لـ ييأس من أشخاصٍ حصروا تفكيرهم في أن يحيوا حتى وإن عنى ذلك معاناة من حولهم مستعينين بـ منطق " أنا ومن بعدي الطوفان " , فـ كل فرد يسرق من الآخر بـ اختلاف أعمالهم لكن يتفقوا في أنهم استعملوا ذكاءهم في محاولة الكسب من الغير والرضا بـ المتاح , دون التفكير في حقوقهم التي لا يحظون به وقد تغنيهم عن كل ذلك بل وقد تحرك ذكاءهم في الاتجاه الصحيح ..

أتحدث السباعي عن انعدام المروءة ؟ ما رأيه في زمنٍ تُضرب فيه النساء وتُهان كرامة الشيوخ ويُقتل الأطفال ؟ بل والأدهي أن هناك أشخاص مثلي ومثلك يجدون المبررات لـ فعل ذلك , بل وفي بعض الأحيان يشاركون واضعين بصماتهم على أوجه من هم بـ التأكيد أشرف من أن يعيشوا معهم على نفس الأرض – بدون مبالغة - !

الكاتب يستخدم قلمه لـ معالجة ما يراه فاسداً في مجتمعه , لكن السباعي كان بـ التأكيد لـ يعتزل الكتابة لـ مجرد محاولة الكتابة عن النفاق حالياً ,  فـ هو الشيء الوحيد الذي تقدم فيه زمننا عن زمن السباعي بل وبـ سنوات ضوئية , امتد لـ يشمل كل القطاعات ولن يكون غريباً ان نجده يُدرّس مستقبلاً فـ لـ قد أصبح أسلوباً من أساليب حياة المصري , من أجل تجربة عملية لـ النفاق كل ما عليك فعله هو أن تبدأ يومك !

حاولت بـ التأكيد أن أجد ما يجعلنا نتفاءل , لكن صعوبة الموضوع تكمن في عدم الرغبة في التغيير , النظرة لـ النفس على أنك لست الشخص الذي تستطيع ان تغير العالم فـ تقبل أن تعيش بـ القوانين التي وضِعت والتي تجردك تدريجياً من الأخلاق , أعتقد أن حتى السباعي كان لـ ييأس من أحوال كـ تلك التي نعيشها , لكن ما يبقيني متفائلاً ناظراً لما تبقى من ماء في الكوب هم هؤلاء الحالمون بـ وطن أفضل , هؤلاء الذين يُقتَلوا ويُضرَبوا ويُسبوا لكنهم ما يزالون قادرون على أن يحلموا ..

" نعيب زماننا والعيب فينا " , النظرة لـ الظروف وكـ أنها السبب في كل ما نحن فيه , ومحاولة التهرب من المسئولية هو ما يبقينا على حالنا . بـ حسب اعتقادي فـ إن زمن المعجزات قد انتهى , وحتى نجد ذلك المكان الذي نستطيع شراء الأخلاق منه علينا أن نرهق أنفسنا ونختار الحل الأصعب , أن ننظر إلى أنفسنا , إن وضعنا في أذهاننا آية " إن الله لا يغير ما بـ قومٍ حتى يغيروا ما بـ أنفسهم " سـ نعلم أن تأثيرنا هو كـ تأثير الحجر الذي يرمى في الماء
; بمجرد أن نبدأ بـ التغير سـ نجد كل ما حولنا يتغير بـ التدريج , كل ما آمله هو أن نعي ذلك قريباً قبل أن نجد أنفسنا في وطنٍ منبوذٍ " مغلقٍ لـ عدم وجود أخلاق " ..

ملحوظة : لم أكتب المقال بـ نظرة فوقية أو أعفي نفسي من المسئولية , بـ التأكيد مسني ما مس من يتحدث المقال عنهم , لكنها محاولة لـ اصلاح النفس , أكتب المقال واضعاً في ذهني عبارة " كن أنت التغيير الذي تود أن تراه في العالم " ..
 

Comments

Popular posts from this blog

اللغة العربية وعلاقتها بحفظ الدين

مقتطفات من موسم الامتحانات