الغاية تبرر الوسيلة ؟




عيد الأضحى المبارك , الكل أنهى صلاته ويستعد لـ الاحتفال بـ العيد , أما هؤلاء فـ قد أتفقوا مسبقاً على أن يكون عيدهم مخصصاً لـ وطنهم , أو بـ الأحرى أن يكون عيدهم هو التخلص من تلك الظاهرة , الوباء , المرض , سمها كما شئت , فـ مهما اختلفت المسميات , يبقى الوصف واحداً : " متحرش " ..

 التحرش هي ظاهرة اجتاحت المجتمع المصري بـ طريقة غريبة عن عاداته وتقاليده , لم يعتقد المصريون أننا في يوم من الأيام قد نصل لـ تلك الحالة المتدنية في معاملة نصف المجتمع الأخر , النظرة إليه على أنه قطعة من اللحم التي تستطيع أن تلمسها متى شئت وفي أي مكان !

بعد الكثير من السلبية , ظهر هؤلاء الشباب , هي ليست المرة الأولى التي يظهروا فيها فقد ظهروا من قبل في العام الماضي وفي نفس المناسبة , أي أنهم عاهدوا أنفسهم على ألا يحتفلوا بـ عيدهم إلا وهو خالي من أي مظاهر التحرش , هذه المرة زادت الإيجابية , زادت المشاركة وانتقلت المبادرة إلى الكثير من المحافظات الاخرى , فـ في القاهرة ظهرت الكثير من المبادرات تحت اسم " التحرش بـ المتحرشين " و " هنصور " وغيرها , وفي الأسكندرية تحت اسم " ولاد البلد " وفي أسيوط تحت اسم " عيشها صح " و " احميها بدل ما تتحرش بيها " وغيرها وغيرها الكثير الذي يدل على أنه مازال هناك الكثير من الشباب المصري الذي لم يصاب بـ هذا المرض وأن القضاء على هذه الظاهرة ليس مستحيلاً !

الفكرة كانت بـ بساطة أن يرصد هؤلاء الشباب حالات التحرش , ويعاقبوا فاعيلها بـ كتابة " أنا متحرش " على قميص المتحرش بـ استخدام الرذاذ , في حالات اخرى اتفق الشباب على تسليم المتحرشين لـ الشرطة , وهو الموضوع الذي يجب أن نتحدث عنه مطولاً !

في دولة سيادة القانون – أو ما تدعى كـ ذلك ! – يتواجد جهاز الامن لـ التأكد فعلاً من أن القانون هو السائد , وبـ التأكيد هذا لن تجده في مصر , بـ النظر لـ مشكلة لن تحتاج الكثير من الحلول من جهاز أمني كـ الشرطة فـ أن تجد شباباً يقومون بـ هذا العمل فـ بـ التأكيد أنت تمتلك شرطة لا فائدة منها !

يحكي شباب الحملات عن دور الشرطة في تلك المبادرة , فـ في البداية أرادها الشباب أن تكون بداية صلح مع الشرطة خصوصاً مع الإرث الذي تركته الشرطة في نفوس هؤلاء الشباب قبل واثناء وحتى بعد الثورة المصرية , اتفق الشباب على أن تكون الشرطة هي حليفتهم في تلك المهمة , بـ أن يهتم الشباب بـ الرصد ويتركوا التصرف لـ الشرطة !


في هذا الفيديو , تجد حديثاً لـ الشرطة متمثلةً في أحد أفرادها عما يجب ان يقوم به الشباب عندما يرصدوا أي حالة تحرش , وهو ما كان يقوم به الشباب في أول أيام الحملة , لكن وجد الشباب لا مبالاة من الجهاز الذي يقومون هم من الأساس بـ تنفيذ مهمته , فـ اتخذ الشباب على عاتقهم القيام بـ المهمة كاملة : القبض على المتحرش واستخدام الرذاذ بـ كتابة " أنا متحرش " على قميصه وضربه إن استلزم الامر ..


بعيداً عن الشرطة التي تثبت يوماً بعد يوم أنها بـ الفعل تتغير – لـ الأسوء بـ كل تأكيد – يحلل د/ هاني هنري استاذ علم النفس بـ الجامعة الامريكية في القاهرة هذه الظاهرة قائلاً : " ينتشر في مصر توجه يدعى ( لوم الضحية ) وهو أن تلوم الفتاة على ما ترتديه معللاً لـ نفسك سبب التحرش وهو بـ التأكيد اهم العوائق التي تقف في وجه كل من يحاول أن يحل تلك المشكلة " . وبـ الفعل تجد أحمد صبحي صاحب الـ 17 عاماً يفند أسباب التحرش قائلاً : " لـ ماذا يحدث التحرش ؟ لـ أن الفتيات يفعلن ذلك لـ أنفسهن , ارتداء الحلي ومثل تلك الملابس يدفعنا لـ التحرش , ماذا تنتظرون منا أن نفعل ؟ " !

أحمد أشرف صاحب الـ 20 عاماً وأحد المشاركين في الحملة وأثناء جلوسه قليلاً على كوبري قصر النيل وهو يشاهد زملائه يركضون خلف متحرش - تحت أنظار أفراد الشرطة الذين يحتسون الشاي - يتحدث عن الظاهرة قائلاً : " أراها كل يوم وبـ النهاية كان على أن أفعل شيئاً , هدفي الوحيد هو أن نلهم البقية لكي يقوموا هم أيضاً بـ فعل أي شيء " , واثناء محاورته كان يقوم بـ ابعاد بعض الشباب الذي التفوا حول احدى المراسلات !

 معظم الشباب المشاركين في الحملة يؤكدون أنهم يودوا ايصال رسالتهم بـ سلام , لكن من يبدأ بـ التعدي هو المتحرش ما يجعل الشباب يردوا عليه بـ المثل !

وبعيداً عن الشباب , يتحدث احد كبار السن عن تلك الظاهرة قائلاً : " المشكلة مجتمعية بـ الأساس , لن نضيع الوقت في أن نرمي بـ الخطأ على الفتاة لـ ما ترتديه أو على الشاب لـ تعديه على حرية غيره , لكن المشكلة هي في غياب الدين والقيم بدايةً من مدارسنا وانتهاءً بـ مؤسساتنا , والدليل أنه منذ فترة ليست بـ البعيدة لم تكن تلك الظاهرة متواجدة حيث تواجدت التربية التي بدأت من مراحل التعليم الأولى " . 

بعيداً عن ذلك , هل يرى هؤلاء الشباب أن الغاية تبرر الوسيلة ؟ الكثير اختلفوا مع هؤلاء الشباب على أن ما يفعلوه لا يختلف كثيراً عن ما تقدمه جماعة " الامر بـ المعروف والنهي عن المنكر " في السعودية والتي افتتحت مؤخراً فرعاً لها في مصر ! أي ان ما يفعلوه هو فقط اجبار الشخص على فعل – أو عدم فعل - شيء حتى وإن كان بـ التعدي عليه جسدياً وهو ما لايختلف كثيراً عن ما تقدمه تلك الجماعة , بـ الرغم من اختلاف الأهداف لكن يبقى المبدأ واحد بـ كل تأكيد !

يرد أحمد أشرف قائلاً : " أتمنى أن تقوم تلك الجماعة بـ ما نقوم به , حينها سـ أحترمها فعلاً ! ما نفعله يختلف كثيراً عن ما تقدمه تلك الجماعة فـ نحن نهدف لـ تغيير شيء لـ الأفضل أما تلك الجماعة فـ كل ما تفعله هو التغيير لـ الأسوء " .

أحمد غانم يعلق على ما أسماه البعض بـ الازدواجية قائلاً : " هؤلاء الشباب يدافعوا عن فئة من المجتمع تحتاج لـ الدفاع عنها من تحرش من يمكن أن يصنفوا كـ مجرمين , أي انهم يدخلون طرفاً في علاقة بين مجموعة تحتاج لـ الحماية ومجموعة من المجرمين والبلطجية , أما عن تلك الجماعة فـ هي تتدخل في العلاقة بين الفرد وربه وهو ما يصنف كـ تطفل بـ كل تأكيد " .

يعطي غانم فرقاً اخر بين الحالتين قائلاً : " عمل الشباب يوضع في نطاق محدد ضد فعل مستهجن عرفياً ودينياً , أما تلك الجماعة فـ نطاق عملها غير محدد فـ هم من يحددوا ما هو في نطاق المعروف وما يصنف كـ منكر معللين لـ أي شخص يقف في وجههم بـ أن هذا ما أمر الله به , مع أنهم بـ التأكيد لا يعلمون أي شيء عن ما امر الله به " .

هي مبادرة , سواء اختلفت معها أم لم تختلف تبقى محاولة لـ إنهاء ظاهرة دخيلة على مجتمعنا , ربما هي رحلة اكتشف فيها الشباب الكثير من الأشياء , اكتشفوا شباباً أمثالهم مستعدين لـ القيام بـ أي شيء في سبيل رؤية وطنهم بـ صورة أفضل , أكتشفوا أن جهازاً كـ الشرطة لن يتغير , كما انهم اكتشفوا شيئاً سـ يحتاج الكثير من الوقت من أجل أن تتم معالجته : اكتشفوا أنه عندما تغيب الدولة , فأن إنتزاع الحق بالقوة يكون هو السبيل الوحيد !

" وسيلة غير مستحبة , غاية أسمى " مزيج اجتمع لـ كي يجعلنا نتساءل : هل مقولة " الغاية تبرر الوسيلة " صحيحة ؟ هل نحتاج أحياناً ان نستخدم بعض الوسائل التي لا نحبذها في سبيل غاية لن تتحقق إلا بـ هذه الطريقة ؟ هل أصبحنا متأخرين لـ درجة أن نستخدم ما هو خطأ مع من أخطأ لـ تصحيح ما أخطأ فيه ؟ والاهم : هل سـ نرى هؤلاء الشباب سنوياً في كل عيد أم أن الرسالة وصلت ؟
 

Comments

Popular posts from this blog

اللغة العربية وعلاقتها بحفظ الدين

أخلاق للبيع

مقتطفات من موسم الامتحانات