25 يناير، يا شباب فاكرين؟
*عنوان المقال مأخوذ من أغنية لمصطفى سعيد من قصيدة لتميم البرغوثي تجدوها بنهاية المقال
تمر الأيام سريعاً
دون أن نشعر، من منا يصدق أننا نعيش الآن الذكري الخامسة لثورة الخامس والعشرين من
يناير، الثورة التي -وإن أردنا- لن نحظى بمثلها شفافيةً وترابطاً واتحاداً. ربما
توقفنا عن التظاهر والاهتمام بما تؤول إليه حال البلاد، لكن ولأن ذكريات ثورة كهذه
هي من الأهمية لدرجة ينبغى فيها حفظها, فأحاول هنا أن أتذكر "أجمل أيام
حياتنا".
أتذكر حينها أني كنت
في السنة الأولى في تخصصي بكلية الهندسة - جامعة القاهرة، وكنت في طريق العودة مع أحد أصدقائي إلى المنزل في أحد
الأيام قبل الخامس والعشرين من يناير بعد أداء أحد الاختبارات، وسألني حينها
بعدما رأيناه في تونس: " هل تتوقع أن يتحرك أحد في مصر؟"، ولأنني حينها
كنت مستخدماً جديداً لـ Facebook فلم أكن أعلم شيئاً عن دعوات التظاهر. قلت له
أنني لا أثق في أننا نستطيعا القيام بمثل ما قام به شعب تونس، بل وزدت أننا حتى
وإن نجحنا في ثورتنا فهذا ليس كافياً، فما نحتاجه فعلاً هو شيءٌ يشبه المكنسة الكهربائية العملاقة؛ نقوم
بتنظيف كل شيء خاطىء ثم نبنى "على نضافة" من جديد.
في السابع والعشرين
كان هناك نقاشاً على Facebook
بين صديقين
على أحد الأخبار المتعلقة بالتظاهرات التي حدثت في الخامس والعشرين من يناير. شاركت حينها بردٍ حماسي، ففوجئت في اليوم الذي تلاه بأن هناك خلل في اتصالي
بالإنترنت. شعرت بالأهمية حينها وتساءلت هل فعلاً عطّلوا اتصالي بالإنترنت بسبب
هذه المشاركة؟ قبل أن أكتشف قطع شبكات الاتصالات والانترنت في عموم البلاد.
في هذا اليوم -ألا
وهو الثامن والعشرون من يناير- كان لدينا اختبار مؤجل. صعدنا لقاعة الاختبارات -والتي هي في مبنى منفصل مواجه للكلّية- لكن المُمتحِنين أخبرونا أنه قد تعذّر
وصول أوراق الاختبار إلى القاعة فأجّلوا الاختبار وطالبونا بالبقاء في المبنى
خوفاً على سلامتنا. أذكر حينها نزولنا إلى أرض المبنى لنجد الأمن قد أغلق الأبواب، ثم رأيت مشهداً عظيماً لم أكن قد شاهدت مثله من قبل طوال سنوات عمري الثماني عشرة حينها؛رأيت مسيرةً هائلة قادمة من مسجد الاستقامة بالجيزة. كانت المرة
الأولى التي أرى فيها تجمعاً بهذا العدد، وأذكر أني حينها قلت لصديقي أنني أشعر وكأن الناس لا تنتهي. رأينا حينها تعاملاً أمنياً لم يكن معظمنا قد شاهده من قبل، وقام
الطلاب بفتح باب المبنى وإدخال المتظاهرين لحمايتهم، حينها خرجت متجهاً لمبنى
الكلية الرئيسي، وكانت المرة الأولى التي استنشق فيها قنابل الغاز التي كانت تُقذق بعشوائية حتى دخل عدد كبير منها داخل الكلية -وهو ما أصبح عادة أسبوعية في آخر
عامين لنا هناك- !
كنت حينها حقيقةً مهتماً
بسلامة أصدقائي أكثر من أي شيء، فانتظرنا حتى الرابعة مساءً بالكلية حتى استطعنا
أن نجتمع، فقد تعذّر وصول بعضنا للآخر نظراً لقطع الاتصالات، فكان لزاماً علينا
بين الحين والآخر أن نمر بمباني الكلية عسى أن نجد أحد أصدقائنا، وفي هذا الفترة
استخدمنا الهواتف الأرضية بالكليّة من أجل أن نطمئن أهلينا. خرجنا من الكلية في الرابعة مساءً
ذاهبين إلى بيوتنا سيراً ونحن نقوم بتجميع عبوات الغاز الفارغة التي كانت شيئاً
جديداً حينها بالنسبة لنا، وفي طريقنا بالجيزة وجدنا مدرّعة فوق الكوبري محروقة.
كان شيئاً جللاً حينها أن نعلم أن بإمكاننا أن نطالب بحقّنا حتى وإن اقتضى ذلك حرق
مدرعات الشرطة. وفي الجيزة رأينا مسيرات متجهة لمكان لم نعلمه حينها، ومن
يقابلنا يقول: "شكلكوا راجعين من امتحان، روحوا اتغدوا وانزلوا
مستنينكوا".
علمنا بعد ذلك أن هذه
المسيرات كانت متجهة للتحرير, وشاهدنا ما فاتنا من ذكريات ستظل محفورة في عقولنا:
المصدر: ويكيبديا - رجل المدرعة
- مشهد الشاب الذي
وقف أمام المدرعة، موجّهاً إلينا رسالة أن الشرطة أناسٌ مثلنا، قابلين للكسر طالما
أنك آمنت بإمكانية الوقوف أمامهم. وما يجعل المشهد مكتملاً هو أن هذا الشخص مجهول حتى الآن، باعثاً
إلينا بصورته كبطل خارق لا ينبغى أن يعلم أحد ماهيته الحقيقة.
- سقوط أول شهيد في
السويس, مشهد تأكدنا فيه أنه لا رجعة فيما يحدث؛ سقطت أرواح من أجلنا ولذا أي
تقصير أو رغبة في الرضا بتحقيق أقل المطالب سيبدو وكأنه خيانة.
- مشهد كوبري قصر النيل
الجليل؛ أناسٌ يُصلون وتقوم الشرطة برشّهم بالمياة، وبعد انتهائهم من الصلاة يتسلحون
بالحجارة في مواجهة البنادق، والمثير هنا هو انتصار الحجارة على الرصاص، في تأكيد
أنه لا شيء مستحيل طالما نفيت أنت استحالة حدوثه.
- خطاب مبارك في مساء
الثامن والعشرين من يناير, والذي أكد للمتظاهرين أنهم على حق، فهم يستحقون رئيساً
أفضل من هذا المنفصل عن الواقع.
- بالرغم من اتجاهاته
الحالية، إلا أن أغنية "إزاي؟" لمحمد منير ستظل جزء لا يتجزأ
من تلك الثورة في رأيي. جرّب فقط أن تستمع لها الآن وستعود لتستذكر كل ما حدث
حينها.
- مانشيت "الورد
اللي فتح في جناين مصر".رحم الله كل شهيدٍ عرفناه أو لم نعرفه.
- بكاء وائل غنيم مع
منى الشاذلي عند معرفته بسقوط شهداء جراء ما فعله في صفحة "كلنا خالد
سعيد". تلك الصفحة التي تجد معظم أصدقائك على Facebook من المعجبين بها. هي من الأشياء القليلة التي
تذكرنا بأهمية مواقع التواصل الاجتماعي، ولا ينبغى أن ننسى حينها أغنية "يا
بلادي" حينما عُرضت مع صور الشهداء. كانت دقائق تملأك بالرغبة في القصاص لكل
من فقد حياته نداءً بحق من حقوقه؛ الحرية.
- صورة الشاب الذي لم
نرى وجهه وكان يحمل علم مصر أمام تشكيل من جنود الأمن المركزي، الجلسة الشهيرة في
التحرير التي كان فيها شاباً ملتحياً يغني "حدوتة مصرية" مع شباب آخرين
اعتقدنا أنهم لن يجتمعوا على رأيٍ واحد في يوم من الأيام، اللجان الشعبية التي
تعرفّت فيها على كل ساكني الشارع.
- كوميديا آخر الليل
المتمثلة في اتصالات هاتفية من نوع "تامر من غمرة", والمقابلات التي على
شاكلة "عفاف شعيب والريّش". كم كانت مشاهد ممتعة بعد يوم عصيب.
- "لم أكن أنتوي
الترشح"، خطاب مبارك الذي استطاع به أن يضحك على عقول الكثير منا، وما هي إلا
ساعات حتى ظهر الوجه القبيح مرة أخرى وعاد التشبث بالميدان وفكرة الثورة.
- صوت نوارة نجم
والذي سيظل متردداً في أذهاننا حتى الآن, فبالرغم من استخدمنا لهذه الجملة في
السخرية على وضعنا الحالي, إلا أن "مفيش ظلم تاني, مفيش خوف تاني" ستظل
جملة تذكّرنا بأيام نحاول جاهدين ألا ننساها.
- وآخيراً؛ الحادي عشر من فبراير، خطاب التنحي الذي أسعد الجميع دون استثناء، حتى هؤلاء الذين كانوا "يرقصون على السلم": عمرو أديب على ONTV ومن هم على
شاكلته. أغنية "في كل شارع في بلادي" ومشاهدها التي نحزن كلما نراها حتى
الآن.
بالتأكيد لم أسرد كل
ما حدث في الثمانية عشر يوماً حينها، لذلك أدعوكم لتذكيري بما نسيت، فتلك الذكريات
هي ما تؤكد لنا أن ما حدث كان حقيقياً تماماً. مؤامرة أم ثورة؟ لا يهم، الشيء
الأكيد بالنسبة لي أنها كانت "أجمل أيام حياتنا" -أو حياتي أنا على الأقل-.



Comments
Post a Comment