مقال آخر عن وسائل التواصل الاجتماعي
*تنويه: لم أشاهد فيلم The social dilemma "المعضلة الاجتماعية" قبل كتابة هذا المقال.
في فيلم The secret life of Walter Mitty "الحياة السرية لوالتر ميتي", شون أوكونيل هو مصور مستقل شهير يعمل مع مجلة Life. العثور على أوكونيل صعب نظراً لتنقله الدائم, لكن التواصل مع المجلة يتم عن طريق مدير قسم أصول النيجاتيف في المجلة والتر ميتي. بسبب فقدان أحد الأصول التي يجب طباعتها يحاول ميتي العثور على أوكونيل ليجده في الهيمالايا محاولاً تصوير نمر الثلوج الذي تندر رؤيته. في أحد اللحظات وأثناء الاختباء من أجل الحصول على الصورة يظهر نمر الثلوج, لكن أوكونيل يستمر بالنظر إليه دون الضغط على زر الكاميرا, وعند سؤاله من قبل ميتي عن سبب عدم تصويره يقول أوكونيل: "في بعض الأوقات لا أقوم بالتصوير, إن أعجبتني لحظةً ما, أحاول الاستمتاع بها دون أن تشتت الكاميرا انتباهي, أن أعيشها".
أعتذر عن المقدمة الطويلة بعض الشيء, لكنها تصف بشكل كبير ما أريد قوله. نعم, هو مقال آخر عن وسائل التواصل الاجتماعي, لكنني لن أتحدث من جانب علمي مستشهداً على ما أكتبه بدراسات وإحصائيات, هي فقط بعض المشاهدات التي ستجدها تحدث في حياتك اليومية بشكلها الحالي, ربما تكرهها أو ليس لديك مشكلة معها بل من الممكن أن تكون من ممارسيها, يتوقف ذلك على كيف ترى المشهد, لكنها بالتأكيد مستفزة بالنسبة لي.
"Like, share and subscribe", "Follow", "اضغط على زر التنبيهات", "قم بتفعيل الجرس", وغيرها الكثير والكثير من الجمل التي لم تكن حاضرة عند بداية معرفتنا بوسائل التواصل الاجتماعي. هناك "المحتوي" و الـ "reach" والكثير من البحث والتدقيق حول كيفية وصول ما تكتبه لأكبر شريحة ممكنة. اهتمام غريب بنقل كل صغيرة وكبيرة عن حياة الشخص عبر جهازه المحمول, واهتمام أغرب بهذا الجهاز لمعدل يصل لدرجة الإدمان, والمشكلة أنه من نوع الإدمان "المتوارث", والذي ينُقل إلى أطفالك دون أن تشعر, وعن تلك النقطة بالتحديد سنستكمل الحديث بعد قليل.
ومع تطور تلك الوسائل واختلافها أصبح هناك أهداف أخرى قد تتحقق باستخدامها, على سبيل المثال تجد أن الشهرة أو النجاح السريع أصبح رغبة الكثيرين من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي, لذلك كرّس قطاع كبير منهم وقتهم من أجل تحقيق ذلك الهدف, مهما كلّفه ذلك من تنازل عن مبادئه -إن كان قد امتلك بعضاً منها من الأساس-. لا يكتمل الحديث عن هذا القطاع من الناس دون ذكر "المؤثرين اجتماعياً" أو influencers. عند قراءة ذلك الوصف تتخيل أن الموصوف قدم قام بعملٍ جلل من أجل الوصول لتلك المكانة, لكن المفاجأة أن هذا لم يكلفه سوى فيديو مدته دقيقة يقلّد فيه أحد الأشخاص, أو حتى يظهر مرتدياً "حفاظة" في محاولة منه ليكون كوميدياً -حدث بالفعل-. أستطيع أن أتجاوز عما تسبب بوصوله لتلك المكانة, لكن ما لا أستطيع تجاهله هو ما يفعله هذا الشخص بما وصل إليه؛ محاولات الوصول للمال بأي طريقة حتى إن كان ذلك بترويج لمنتجات قد تكون في بعض الاحيان مضرة. نعم, مع الأسف هو مؤثر, لكن ليس التأثير الإيجابي بكل تأكيد.
وبالعودة لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي نجد أن هناك نوع آخر قد ظهر على السطح ألا وهم "الباحثون عن اللقطة". لا يسعون بالضرورة للشهرة, لكنهم دائماً في محاولة حثيثة لرسم صورة تجعل الآخرين يعجبون بحياتهم, حتى وإن عنى ذلك في بعض الأوقات أن تصبح شخصيته الافتراضية مختلفة تماماً عن ما تقابله في الواقع. بحديثي هنا لا أعني من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لإظهار جوانب من شخصيته هي موجودة بالفعل لكن لا يستطيع إظهارها لأسباب عدة, لكن أعني من يبحث عن القبول من أكبر عدد من الشريحة المستخدمة لهذه الوسائل, قد يكون ذلك بصورة, أو تصل في بعض الأحيان لأن تتبنى آراء أنت في الأصل تختلف معها, لكنك فقط تتبانها لأن هذا هو السائد "trend", لخوفك من أن تكون غير صحيح سياسياً "politically incorrect", وهذا ما ناقشته في المقال السابق بعنوان "مقال ذكوري عنصري كاره للمثلية".
أستطيع أن أسمع بكل وضوح الصوت الذي يقول: "وما الذي يجبرك على هذا؟ تستطيع ألا تتابع ما لا يعجبك, أليس كذلك؟", أو الصوت اﻷكثر عدوانية: "أنت لا تدفع اشتراك الانترنت من جيبك الخاص!", وهذه الردود مستفزة ولا تقدم حلاً لعدة أسباب, منها مثلاً أن عددهم أصبح مبالغاً فيه, وهنا أقتبس من د/ أحمد خالد توفيق: "افتح النافذة يدخل عشرة منهم, افتح صنبور المياه ينزل لك خمسة منهم". تقرر مثلاً أن تترك فايسبوك وتذهب لتويتر Twitter فتجد من يساند قضايا لا ناقة له فيها ولا جمل. حتى الوسيلة المختصة بالبحث عن عمل وهي لينكد إن LinkedIn, الجميع فيها يشعرك أنك لست جيداً كفاية وأن عليك أن تبذل مجهوداً أكثر, دائماً. "اعمَل, سافر, اقراً, ذاكر, ازرع, احصد…" والكثير من أفعال الأمر. نصيحة صغيرة: تجاهل أي جملة تبدأ بفعل أمر, وبالتالي تجاهل هذه الجملة, وبالتالي تجـ... انت تعلم ما أقصده.
بالتأكيد كنت أتمنى أن أذكر أن "التواصل الاجتماعى" هو من مزايا تلك الوسائل, لكن هذا ليس الوضع حالياً. اهتمامنا المبالغ فيه بحياتنا الافتراضية والخوف من أن يفوتنا شيء "FOMO" والذي تطور ليصبح خوفاً من أن نصبح بدون هاتف "Nomophobia" حوّل هدف تلك الوسائل من الاستمتاع والتواصل إلى الإدمان. الرغبة في توثيق كل ما يحدث دون قضاء بعض الدقائق من أجل الاستمتاع بتلك اللحظات, بل وتطرف البعض لأن يبحثوا عن الشهرة أو "اللقطة" بأي طريقة ممكنة. المشكلة أن جيلنا هذا المتعلق بشكل كبير بهواتفه وبوسائل التواصل الاجتماعي هو جيل الأباء الحالي, و كما يقال: "إن كان رب البيت بالدف ضارباً, فشيمة أهل البيت الرقص".
لست أملك حلاً بكل تأكيد, ولم أنو أن أطرح واحداً, كما أنني لا أناقش شيئاً جديداً, كما ذكرت سابقاً هي فقط بعض المشاهدات التي استفزتني وأردت سردها. كل ما أتمناه هو أن نحاول قليلاً الاستمتاع بما لدينا دون التفكير في هواتفنا. هناك الكثير من الطرق للتخلص من التعلق بالهاتف, وهي تشبه معالجة الأدمان, لكنها أفضل برأيي من أن يسوء الحال عما نحن فيه. ربما لم يتطرف قطاع كبير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حتى الآن كما تطرف الباحثون عن الشهرة, لكن من يدري مدى التطور الذي قد تصل له تلك الوسائل, ولأي مستوى قد ننحدر لمواكبة ذلك التطور.



Comments
Post a Comment